ابن أبي الحديد

135

شرح نهج البلاغة

وقيل كان اسمه عزازيل ، وان الله تعالى جعله حكما وقاضيا بين سكان الأرض قبل خلق آدم ، فدخله الكبر والعجب لعبادته واجتهاده وحكمه في سكان الأرض وقضائه بينهم ، فانطوى على المعصية حتى كان من امره مع آدم عليه السلام ما كان . قلت ولا ينبغي أن نصدق من هذه الأخبار وأمثالها الا ما ورد في القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، أو في السنة ، أو نقل عمن يجب الرجوع إلى قوله ، وكل ما عدا ذلك فالكذب فيه أكثر من الصدق ، والباب مفتوح ، فليقل كل أحد في أمثال هذه القصص ما شاء . واعلم أن كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل يطابق مذهب أصحابنا في أن الجنة لا يدخلها ذو معصية ، الا تسمع قوله ( فمن بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته كلا ، ما كان الله ليدخل الجنة بشرا بأمر اخرج به منها ملكا ، أن حكمه في أهل السماء والأرض لواحد ) . فان قلت أليس من قولكم إن صاحب الكبيرة إذا تاب دخل الجنة فهذا صاحب معصية وقد حكمتم له بالجنة قلت إن التوبة أحبطت معصيته فصار كأنه لم يعص . فان قلت إن أمير المؤمنين عليه السلام إنما قال ( فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته ) ولم يقل بالمعصية المطلقة ; والمرجئة لا تخالف في أن من وافى القيامة بمثل معصية إبليس لم يكن من أهل الجنة . قلت كل معصية كبيرة فهي مثل معصيته ، ولم يكن اخراجه من الجنة لأنه كافر ، بل لأنه عاص مخالف للامر ، الا ترى أنه قال سبحانه ( قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) ( 1 ) ، فعلل اخراجه من الجنة بتكبره لا بكفره . فان قلت هذا مناقض لما قدمت في شرح الفصل الأول .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 130 .